السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في المقال السابق تحدثنا عن نشأة الحضارة اليابانية بشكل مُختصر قدر الإمكان و اكتسبنا مع بعض عدة معلومات عن هذه الحضارة و جزء بسيط جدا من تقاليدهم ، في هذا المقال سنُكمل رحلتنا الشيقة و ذلك بالتحدث عن طبقة الساموراي الغنية عن التعريف و بطبيعة الحال سيتم إختصار المقال قدر الإمكان ،استمتعوا.
إنكشاف و إنهمار السلطة و القوة بين مُختلف الفصائل في اليابان أملا التاريخ المحلي لمُعظم القرون التالية و بنفس الطريقة اعتمد الإمبراطور على ولاء العائلات العسكرية التي تتمع بقوى لا تضاهي باقي العائلات و قد كان هذا الأمر بمثابة وصفة مثالية للتنافر المدني ، حقيقة كون سلطة الشوغون وقتها كانت مستقرة جزئيًّا في ولاء العديد من الدايميو (كبار الزعماء الإقطاعيين) عجلت بشكل ملحوظ في تبديد هذا النوع من السلطة ، كما لعبت القوى الخارجية و تحديدًا محاولات الغزو من قبل القوات المغوليّة في الفترة ما بين 1274-1281 دورًا بارزًا في إضعاف قبضة السلطة و القوة التي كان يتمتع بها الشوغون ، في حين كان المنتصرين بالمعارك التي كانت تدور بين العشائر يقومون بتوزيع الأراضي و الغنائم كمكافآت لقوات الساموراي المُخلصة لهم فقد كانت القوات الغازية لا تقدم أي أراضي أو تتنازل عنها و تترك عدد قليل جدا من الغنائم مما أدى إلى السخط و إضعاف العلاقة بين الساموراي و الشوغون.
بحلول نهاية القرن الخامس عشر شهدت البلاد حرب أهلية معروفة باسم " sengoku-jidai " و على مدى المائة عام التالية كانت العشائر المُنتشرة في كلِّ أنحاء البلد و التي تتمع بقوة و سلطة عالية تتنافس فيما بينها لتعزيز مكانتها في الساحة السياسية ، هذه العشائر كان لها بعض القوانين الخاصة بها و التي غالبًا ما تكون لها الأسبقية على قوانين الحكومة بل في بعض الحالات قاموا بإصدار عملتهم الخاصة و التعامل بها ، هل هذا يعني أن سلطة و نفوذ الإمبراطور و الشوغون إندثرت و اختفوا من الوجود ؟ الجواب بطبيعة الحال لا لكن سلطتهم في أحسن أحوالها كانت محدودة على بعض نطاقات الدايميو ، و مع ذلك فقد استمر الدايميو في إظهار ولائهم و احترامهم لأسيادهم السابقين (فقط بالكلام) و يُمكن إعتبار ذلك فقط مناورة -سياسية- و خوف من أن يتورطوا في صراع دائم على السلطة معهم و ليس شعور صادق يملؤه الصدق و الولاء.
خلّفت فترة " Sengoku-Jidai " بصمتها على المناظر الطبيعية بحيث تقدمت الزراعة بشكلٍ ملحوظ و ذلك لكون الدايميو حاولوا الاستفادة من الأراضي التابعة لهم لأقصى حد ممكن ، كما كانت القِلاع التي يتم بنائها في المناظر الطبيعية بارزةً للعين سعيًا منهم في تعزيز دفاعاتهم و إبراز مدى قوتـهم للأعداء أو القوى الخارجـية ، في الحقيقة العديد من القلاع اليابانية الشهيرة تم تشييدها في هذه القرون التي شهدت حروب أهلية ( قلعة هيميجي-1333 ،أوداوارا-1447 ،ماتسوموتو-1504 ).
في نهاية المطاف تمَّ توحيد اليابان على يد ثلاثة رجال و هم : أودا نوبونوغا - تويوتومي هيديوشي و توكوغاوا إيياسو.
لحدود الساعة يُمكن اعتبار أودا نوبوناجا الأكثر وحشية من بين هؤلاء الثلاثة ، كون البلد كانت تمر بحرب أهلية فقد كانت هذه الميزة تُعتبر شرط أساسي في شخص يسعى جديًّا في إعادة توحيد اليابان من جديد و ذلك من خلال استعمال العُنف و فرض القوة ، ولد في ناغويا و قد كان والده نائب الحاكم العسكري و تولى بعد وفاة والده (عام 1551) السيطرة على أراضي العائلة و أصبح مسؤولًا عنـها ، في غضون ست سنوات قام بقتل عمه و شقيقه الأصغر سنًّا (كونهم حاولوا الانقلاب عليه و الاستيلاء على السلطة) و بدأ حملة تغلغلتها طرق قاسية و عديمة الرحمة لتوسيع نطاق أراضيه ، مع العلم أنه أظهر بعض الرحمة لأولئك اللذين اعترضوا أو عصوا أوامره و تعرضت الطوائف البوذية العسكرية (على وجه الخصوص) لتقصير ملحوظ لمدة زمنية بسيطة مما جعل عائلة نوبوناجا هدفا شخصيًّا على ما يبدو لإبادتهم من الجذر.
من سخرية القدر أنه في حين كانت التأثيرات الأجنبية عاملًا محفزًا في إضعاف قوة الشوغون و اندلاع الحرب الأهلية ، إلا أنها وفرت أيضا الشيء الذي سيكون عاملًا مساعدًا في إعادة توحيد البلد : البندقية ، أودا كان مدرك تمامًا أن التكنولوجيا الحديثة سيكون لها تأثير ملحوظ في ساحة المعركة فحتى قبل وفاة والده قام بطلب 500 تانيغاشيما ( قربينات يابانية - سلاح ناري مبكر يـُعبئ من الفوهة استخدم بين القرنين الخامس عشر إلى السابع عشر ) تم تصنيعها في اليابان و ضمن أن يكون السلاح الأساسي في جيشه المُتضخم.
عند ملاحظة الشوغون لمدى قوة نوبوناغا التي كانت تنمو و تتطور شيئًا فشيئًا حاول إسترضائه و ذلك عن طريق تقديم منصب " نائب الشوغون " ، بعد فشل هذا الأمر قرر أودا إتخاذ موقف مع دايميو آخر مما أدى فيما بعد لتفاقم الوضع و قيامه بمحصارة العاصمة كيوتو و إحراقها عام 1573 و قام بإجبار الشوغون على الفرار للمنفى بعد إنقاذ حياته بشكل غير معهود ، بعد تسع سنوات تقريبًا حلَّ موعد وفاة نوبوناجا الوحشية -إن صح التعبير- (قام باللجوء للسيبوكو -طقوس انتحارية- كطريقة لإنهاء حياته و ذلك بعد تعرضه للخيانة و محاصرته على يد أحد أتباعه) ، بطبيعة الحال قبل وفاته كان قد حقق مكاسب إقليمية عديدة كانت بمثابة الأساس لخلفائه " تويوتومي هيديوشي و توكوجاوا ايياسو " في توحيد البلد من جديد.
” السيبوكو (ترجمتها الحرفية هي قطع الأحشاء) هذا الفعل كان معروفا ً لدى مقاتلي الساموراي الذين يؤمنون بضوابط قانون البوشيدو و كانوا يلجئون له لتفادي الوقوع في أيدي العدو أو لمسح عار الهزيمة و كان يُعتبر قيام الساموراي بهذا العمل يكفر عنه خطئه ودليلا عن النبل والطاعة ، في كثير من الأحيان كان الساموراي يعين أحد المقربين له ليقطع رأسه بضربة سيف بعد أن يقوم ببقر بطنه بنفسه ‟
نشأ كلٌّ من تويوتومي هيديوشي و توكوغاوا إيياسو بشكل واضح على ظلال نوبوناغا ، فقد وُلد هيديوشي عام 1537 لجندي من جنود نوبوناغا المشاة ، كان استراتيجي لامع و عبقري شق طريقه بنفسه ليُصبح أحد أكثر مساعدي نوبوناغا الموثوقين ، إيياسو كان أصغر من هيديوشي بست سنوات و قد وُلد عام 1543 لـلورد مقاطعة ميكاوا الشاب (جزء من محافظة آيتشي في الوقت الحالي).
تُعتبر السنوات الأولى من حياة " إيياسو " مادة دسمة لوصف الأوقات العصيبة التي كانت تعيشها البلد عند قُرب نهاية فترة سينغوكو جيداي ، في سن السادسة تم إرسال إيياسو من قبل والده لعشيرة إيماغاوا بإعتباره رهينة لهم مقابل دعمهم في التصدي لهجمات عشيرة أودا (نفس العشيرة التي من شأنها أن تأتي للسيطرة على المنطقة تحت قيادة أودا نوبوناغا لاحقًا) ، عند معرفة أودا نوبوهيدي -والد الموحّد نوبوناغا- بهذه الخطة قام بإلقاء القبض على إيياسو و هو في طريقه ثم باشر في تهديد والد إيياسو بإعدام ابنه في حال لم يقطع علاقاته مع عشيرة إيماغاوا (والد إياسو رفض رفضًا قاطعًا هذا الأمر و كان رده - لو تم إعدام إبني فهذا سيكون بمثابة شهادة قوية على مدى قوة العلاقات بيننا) على الرغم من هذا الرد الذي يُعتبر تحدي صارخ ، لم يفقد إيياسو حياته بطريقة ما و ظل أسيرًا لعشيرة أودا.
عند وفاة نوبوهيدي سنة 1551 شهدت قبضة عشيرة أودا على السلطة تعثر بسيط و مؤقت فاستغلت عشيرة إيماغاوا الفرصة لتطويق معقل عدوهم ، كان أودا نوبوناغا الوسيط في الصفقة التي أدت إلى إنهاء الحصار مُقابل إطلاق سراح إيياسو ، و هكذا في سن التاسعة بعد أن تم نقله من آسر لآخر واصل إيياسو طريقه الأساسي لميدان عشيرة إيماغاوا ، نشأ إيياسو ليكون محاربًا عظيمًا و صنع لنفسه إسمًا و مكانة أثناء قتاله لعشيرة أودا نيابة عن عشيرة إيماغاوا ، لكنه بطبيعة الحال لم يكن لديه أيّ ولاء عميق لهم فقرر أن يقتل زعيم عشيرة إيماغاوا أثناء هجوم كان قد شنه أودا نوبوناغا.
بـعد وفاة نوبوناغا عام 1582 برز هيديوشي كخليفة له و كان إيياسو يعمل تحت قيادته و إمرته ، هيديوشي كان أرحم من سلفه و فضّل أن ينهج نهجًا أكثر دقة لتهدئة المنافسين له كتبني أبنائهم و السماح لأعدائه المهزومين بالإنضمام لقواته و مع ذلك فقد كان كل همه و تركيزه على التوسع الإقليمي : فقد قام بغزو شيكوكو عام 1585 و كيوشو عام 1587 قبل أن يُغير وجهته و يحول إنتباهه للخارج -لكوريا بالتحديد- ، فقد قام بإرسال 160 ألف جندي عام 1592 و 140 ألفًا آخرين عام 1597 ، هذه الرحلات الخارجية التي كانت نهايتها الفشل الذريع ستُشكل فيما بعد عائق كبير لـهيديوشي بل نتيجة لأفعاله هذه تسبب في زرع بذور الإستياء في كوريا بشكل دائم و هي التي كانت تعيش ويلات الدمار من الحرب.
بصرف النظر تمامًا عن دوره الكبير في توحيد اليابان من جديد ، للآن يُذكر هيديوشي بسبب الـ "كاتانا-جاري" (النصل المُتعقّب) الذي قام بإصداره و هو مرسوم أجبر الساموراي على العيش في المدن مع الدايميو و منع المزارعين منعًا باتًا من حمل السلاح و قد أدى إلى اِستئصال قواعد سلطة الساموراي المُستقلّة و ضمان عدم تمكن أي شخص -مهما كان- من الإستيلاء على الأراضي بالقوة.
إيياسو لم يكن لديه ولاء قوي تجاه هيديوشي و لذلك في غضون عامين من تولي هيديوشي السلطة قرر إيياسو دعم مطالبة أحد أبناء نوبوناغا " أودا نوبوكاتسو " أنه الوريث الشرعي لنوبوناغا و هو الأحق بالسلطة من هيديوشي ، بطبيعة الحال تبع ذلك الأمر سلسلة من المعارك و القتالات التي كانت نهايتها مفاوضات السلام و مع ذلك انضم هيديوشي و إيياسو عام 1590 إلى قوات أداوارا التي كانت تحاصر بعض المقاطعات (منطقة كانتو التي شملت إيدو -طوكيو حاليًا-) التي كانت تحت سيطرة عشيرة هوجو و ذلك لهدف ضمها لهم ، لكن فيما بعد تم إبرام صفقة بين الجانبين اللذين شهدا تخلي إيياسو عن مقاطعاته الجنوبية الخمسة مقابل منطقة كانتو الغير مطورة آنذاك ، هذا سيكون العامل الحاسم في صعود إيياسو للسلطة لاحقًا.
في هذه المرحلة بالذات و مع حظر الجانب الشمالي من قبل إيياسو ، وجه هيديوشي كل تركيزه و إنتباهه على كوريا و هو الأمر الذي أدى إلى ضغط ليس بالهيّن على موارده و ترك إيياسو حراً في التركيز على إدارة و تطوير سهول كانتو الغنية و هي المهمة التي أثبت فيها مدى جدارته و مهارته بشكل خاص ، بعد وفاة هيديوشي عام 1598 ، أعطت قاعدة القوة هذه في نهاية المطاف إيياسو الأسس التي تُمكنّه من الإنتصار في معركة سيكيغاهارا في عام 1600 و حمل لقب شوغون ، مما يمُهّد و يُبشّر بقيام عصر جديد يُعرف باسم "فترة إيدو" و قد استمر نظام توكوغاوا باكوفو (Tokugawa shogunate) بحكم اليابان لأزيد من 250 عام.
و بهذا نكون وصلنا لنهاية ثاني فقرة من سلسلة التعريف عن التاريخ الياباني بشكل مُختصر و لقاؤنا بإذن الله سيتجدد مع الفقرة الثالثة من السلسلة قريباً ، دمتم في أمان الله و حفظه.










0 التعليقات