نشأة و بزوغ الحــضارة اليابانـية (الجزء الأول)

0

 


 
يُقال بأن أول البشر اللذين ساروا على أرض اليابان من البر الأساسي كان قبل 35 ألف سنة قبل الميلاد في وقت كان فيه الطرف الشمالي الغربي من هوكايدو متّصلاً بالأطراف الشرقية لروسيا، و قد أدت الأدلة على الأواني الفخارية المفتولة و أسس المجتمع المبدئية إلى أول فترة موثقة في اليابان " فترة جومون " و قد كان جومون عصرا ذا خصوبة فنية كبيرة تتسم بالسعي وراء الزخرفات التزيينية الأصلية و قد كانت ثقافة هذا العصر الأفضل منذ 10 آلاف سنة قبل ظهور الشعوب الأكثر تقدما
فترة جومون هو وقت في عصور ما قبل التاريخ الياباني و الذي يعود تاريخه تقليديا بين 14 إلى 300 ألف قبل الميلاد و قد تم تنقيحها مؤخرا إلى حوالي ألف قبل الميلاد و قد كانت هذه الفترة غنية بالأدوات و المجوهرات المصنوعة من العظام و الحجر | القشر | القرن و التماثيل الفخارية و الأوعية.


لن أتعمق أكثر في الحديث عن هذا العصر (من الممكن أن أخصص تدوينة خاصة لها مستقبلا) و لكن الآن لنتحدث قليلا عن الحضارة النيوليثية الجديدة والتي حلت محل حضارة جومون و تدعى بـ (حضارة الـيايوي) و قد وصل أصحاب هذه الحضارة تباعا إلى اليابان الوسطى عن طريق البحر الداخلي ثم إلى سهل كانتو عن طريق السواحل الشرقية و أخيرا بلغت شمالي البلاد ثم بدؤوا تدريجيا في السيطرة على مناطق جنوب اليابان حتى شمال هانشو و من المفهوم حاليا أن اليابانيين أسلاف التهجين بين هؤلاء السكان الأوائل ، و قد تميزت هذه الحضارة تميزا أساسيا عن ثقافة جومون بسبب ظهور اقتصاد زراعي مبني على زراعة الرز المسقي و الذي استمر دون تغييرات كبيرة حتى عصرنا الحاضر أما في المجال الفني فإن منتجات عصر يايوا هي آنية فخارية ذات طوق أو مصنوعات من البرونز و الحديد ذات إلهام صيني في غالب الأحيان.
 
شهدت القرون التالية من الحضارة اليابانية ظهور بنية إجتماعية مركزية و كذلك أدوات برونزية و حديدية بدائية و كذلك تقنيات زراعية ( زراعة الأرز هي الأبرز) ، عموما فقد كان تجميع الأجزاء الأثرية لتشكيل صورة دقيقة عن المجتمع الياباني في هذا الوقت صعب جدا و ذلك لأنه لا توجد أي وثائق مكتوبة أو سجلات توثق تلك المرحلة من التاريخ ، في الواقع السجلات الوحيدة التي كانت متوفرة عن اليابان قبل القرن الثامن مصدرها الأساسي هي النصوص الصينية و التي تشير لبلد يسمى وا في الشرق و المعروف هو أنه بحلول عام 250 بعد الميلاد ظهرت دولة حاكمة سيطرت على الأرض من شمال كيوشو إلى سهول كانتو و حكمت كذلك من محافظة نارا الحديثة ، و قد شهدت هذه القرون المبكرة كذلك ترسخ ديانة الشينتو (الطريق للآلهة) بطبيعة الحال لن أتكلم بالتفصيل عن هذا الدين الذي يعتبر دين أصيل في اليابان لكن سأقدم لكم بضعة معلومات عنه إذ أن أتباع هذه الديانة يعبدون آلهة و أرواح متعددة لها إرتباط بالطبيعة مثل الجبال - الأشجار و الصخور كما أنهم يؤمنون بأن هذه الآلهة و الأرواح تتجلى في ظواهر طبيعية مثل الرياح و الرعد و بطبيعة الحال ليس لعقيدة التوحيد مكان في الشنتوية حيث تقوم كل مجموعة بتحديد الكامي ( الآلهة ) ليتواصلوا معها فيرهبونها و و يطلبون منها كل ما يحملونه في أنفسهم ( طمئنينة – خير – توفيق الخ... )  فالصيادون على سبيل المثال يختارون كامي البحر و الحطابون الأشجار و الفلاحون كامي المطر وهكذا، بالنسبة لشعب كان وجوده يعتمد بشكل كبير على محصول الأرز فإن تطور الدين مع الطبيعة يبدو من منظور ما منطقي ، في الواقع يُعتقد بأن لقب الإمبراطور إِنبعث من منصب رئيس كهنة الشنتو و الفولكلور ( الذي يقدم الحسابات التاريخية الوحيدة لبدايات اليابان ) لمح بأن الإمبراطور الأول ينحدر من آلهة الشمس أماتيراسو و على الرغم من أن الخيال يفسح مجال لحقائق غير واضحة في النصوص التاريخية اللاحقة إلا أن هذه الفكرة التي مفادها بأن الإمبراطور ينحدر من الآلهة استمرت طوال آلاف السنين حتى أجبرت الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية الإمبراطور هيروهوتو الإعلان عن إنسانيته للأمة كاملـة.
 
من جهة أخرى تُعتبر الديانة البوذية و التي دخلت اليابان عن طريق كوريا في منتصف القرن السادس دين رئيسي هو الآخر و ذلك عندما أرسل سيونغ بايكجي الذي يُعتبر ملك إحدى المملاك الثلاث في كوريا بعثة إلى نارا و بحوزتهم تمثال بوذا و بعض نسخ السوترا ، في البداية واجهت البوذية عقبة صغيرة في ذلك الوقت فقد تم إلقاء التمثال في البحر بعد تفشي الطاعون في الأرض و ذلك إعتقاد منهم بأن آلهة الشمس قد جلبت لهم هذا الوباء كعقاب لعبادتهم إله أجنبي و غير مألوف و يدمرون إثر ذلك أرضهم ، كان تبنّي عشيرة السوغا للديانة البوذية ( بجانب صعودها لاحقا للسلطة ) العامل الأكبر و الرئيسي لإنتشار البوذية في جميع أرجاء اليابان و في حين كانت البوذية و الشنتو يشهدان إنتشار في أنحاء البلد و يشكلون طقوسات و معتقدات بشكل مشترك بين عامة الناس فإن تعاليم كونفيشيس ( التي عبرت من كوريا مع نظام الكتابة الأول ) وفرت الإطار لنظام إداري و قانوني، يجدر الذكر بأن المادة الدستورية السابعة عشر و التي تم كتابتها من قبل الأمير شوتوكو في عام 604 بعد الميلاد بالإضافة لإصلاحات تيكا اللاحقة في عام 645 بعد الميلاد أدت إلى إصدار أول دستور في اليابان المستند تقريبا بشكل كامل من الريتسوريو.


  ⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆

لن أتكلم بشكل تفصيلي عن نظام ريتسوريو أو " Ritsuryō " لكن كتعريف مختصر عنه فهو نظام قانوني من القوانين الجنائية و الإدارية المتأثر بشكل كبير من الكونفشيوسية فقد أعطى أهمية لمبدئ النظام الأبوي و أرسى الأسس لمجتمع يهيمن عليه الذكور

⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆♦⋆


في بداية فترة ( هيان ) "1185-794" أدى إخضاع شعب إيميشي الشمالي (يعتبرون أحفاد جومون المبكر اللذين ظلوا فترة كبيرة خارج نطاق نفوذ الحكومة في الجنوب) إلى توحيد اليابان بشكل أكبر كما تم نقل العاصمة من نارا إلى مدينة هيان (كيوتو الحالية) حيث إستمر الحال هكذا حتى عام 1868 و قد شهدت فترة هييان إنتشارا للفن و الثقافة (خاصة الشعر و الأدب) و قد منحها التاريخ صورة رومانسية لحد ما . جدير بالذكر أن الرواية الملحمية " حكايات جينجي " و التي تعتبر أول رواية حديثة في العالم تم كتابتها و تأليفها خلال هذه الفترة كما شهدت الواكا إزدهارا في نفس الفترة (الواكا تُعتبر نوع من القصائد اليابانية القصيرة) لكن الصعود التدريجي لفئة الساموراي كان الحدث الذي من شأنه أن يستمر في تشكيل معظم التاريخ الياباني خلال الألفية الثانية و الذي اشتهرت به فترة هيان.


فكرة وجود حكومة مركزية في كيوتو يترأسها الإمبراطور لم تشكل صورة حقيقية عن المشهد السياسي في هذه الأوقات فالحقيقة هي أن الجنرالات بجيوشوهم الخاصة كانوا يسيطرون على مناطق خارج كيوتو و مع نهاية التجنيد سنة 792 بعد الميلاد إضطر الامبراطور للإعتماد على هذه القبائل لدحر التمردات والحفاظ على هيمنته ، لم تكن قبضة الإمبراطور على السلطة قوية وقتها بحيث كان يقدم تنازلات بإستمرار مقابل ولائهم له و بالإمكان رؤية هذا الضعف التدريجي للقوة المركزية من خلال الشوين (The Shoen) ، مع إدماج نظام الريتسوريو في منتصف القرن السابع تم الإعلان بأن جميع الأراضي هي ملك للحكومة و التي سيتم فرض ضرائب عليها لدعم الإدارة ، من جهة أخرى فالأراضي المصنفة على أنها ( شوين ) كانت معفاة من دفع الضرائب و عُرضت كمكافأة لكل من يتعهد بالولاء للإمبراطور و بحلول القرن الثاني عشر تم تصنيف حوالي نصف الأراضي الصالحة للزراعة في اليابان على أنها (شوين) مما أدى إلى تآكل تدفق الإيرادات إلى الحكومة بشكل كبير.


من المهم التراجع خطوة للخلف و نضع ديناميكية السلطة بين الحكومة (أو العشيرة الحاكمة) و الإمبراطور في سياق معين لأن ذلك يساعد على توضيح سبب عدم فقدان الإمبراطور لمنصبه كالرئيس الأسمى لليابان على الرغم من الصراعات الداخلية على السلطة و صعود الساموراي على مدى القرون التالية ، كما سبق و ذكر في التقرير فإن الاعتقاد الراسخ و الذي كان سائدا هو أن الامبراطور ينحدر من آلهة الشمس أماتيراسو و هو أمر تم توثيقه حتى في الكوجيكي ( سجل الأمور القديمة ) أقدم  نص تاريخي موجود في اليابان (أوائل القرن الثامن) و بإعتباره الممثل السماوي للشعب أعطى الإمبراطور الشرعية للحكومة الحاكمة و هي واجهة يمكنهم من ورائها سحب الخيوط السياسية للإدارة ، فلنأخذ على سبيل المثال محاولة اغتيال الإمبراطور فهذه المحاولة التي من شأنها الحصول على السيطرة الكاملة لن تفتح على الجناة سوى أبواب الاتهامات اللادعة و بأنهم مسؤولين غير لائقين أو أكفاء لليابان كما ستسمح للفصائل المتنافسة بالوصول لعرش السلطة بكل بساطة و هكذا في حين كانت قوة الإمبراطور تتضاءل فقد كان محميا بهذه العباءة أسطورية (إن صح التعبير) و لم يكن بمقدور أي أمير حرب (جنرال) ذو بصيرة محدودة مهما بلغ جبروته و قسوته إجتيازها.
عندما غدا ميزان القوى خارجيا أصبحت الحكومة بشكل كبير و واضح تُشكل جانب سلبي في الصراعات التي تدور خارج كيوتو فقد أثار نزاع الخلافة للإمبراطور في عام 1155 سلسلة من الأحداث التي استمرت لأربعين عاما و انتهت مع ميناموتو نو يوريتومو لتتأسس بعدها الكاماكورا بافوكو (أول شوغون في اليابان) و الحصول على لقب سيي-تايشوجين (فاتح البرابرة) من الإمبراطور جو-توبا و ذلك في عام 1192 و جدير بالذكر بأن طبقة ( الساموراي ) في الحقيقة هم اللذين سيكونون الحكام الفعليين للبلاد و اللذين يعملون بشكل أو بآخر بشكل مستقل عن البلاط في كيوتو لمدة 700 عام حتى إستعادة ميجي في عام 1868 و إعادة توطيد السلطة مرة أخرى في أيدي الإمبراطور.

――――――――――――――――――――――――
و بهذا تكون نهاية أول فقرة أو جزء من سلسلة التعريف عن التاريخ الياباني بشكل مُختصر و لقاؤنا بإذن الله مع الجزء الثانـي قريباً.

――――――――――――――――――――――――

التعليقات
0 التعليقات

لا يوجد تعليقات